07 - 01 - 2026

مؤشرات | ترامب وفنزويلا والعودة بالعالم 150 عاماً

مؤشرات | ترامب وفنزويلا والعودة بالعالم 150 عاماً

بعيداً عن كل التحليلات حول عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، وكيف تمت، ومن الخائن ومن الذي باع، فالجريمة قد وقعت، والبلطجة أضحت سيدة الموقف، وسعي الرئيس الأمريكي لفرض قوته في رسالة تهديد لكل من يقف ضده بالاعتقال وتكرار ما قام به في العاصمة الفنزويلية كاركاس.

وأصبحت العبارة التالية، "العالم يعود للخلف أكثر من 150 عاماً" - من وجهة نظري - ملخص الفعل الجنوني الذي ارتكبه الرئيس الأمريكي سمسار العقارات دونالد ترامب، باعتقال رئيس دولة ذات سيادة والقيام بهجوم عسكري – فيما يشبه الغزو - على فنزويلا واختطاف رئيسها، بتهم لا يقال عليها سوى أنه لا تصدر إلا عن غازٍ، فما حدث في فنزويلا والقبض على مادورو، هي العملية العسكرية لأكبر تدخل أمريكي في أمريكا اللاتينية منذ غزو بنما عام 1989، والتي اعتقلت فيها واشنطن الزعيم البنمي مانويل نورييجا.

وما فعله ترامب هو عودة بالعالم للوراء 150 عاما لعصر الاستعمار والفوضى، في وقت يعرف كل العالم أن كل شطحات أمريكا وقادتها التي عانت منها العديد من دول العالم، واختطاف رؤسائها، واحتلال أراضي دول أخرى لم تحقق شيئا، وفشلت فشلاً ذريعاً، بل تضررت فيها أمريكا.

وهذا ما حدث في العديد من حلقات الجرائم والاختطاف الأمريكية المشابهة لرؤساء دول ونقلهم بالقوة إلى الأراضي الأمريكية في سلسلة طويلة من التدخلات الأمريكية، خاصة في أمريكا اللاتينية، ففي ديسمبر 1989، شنّت أمريكا عملية عسكرية واسعة ضد دولة بنما تحت شعار وهمي اسمه "القضية العادلة"، بينما الهدف كان اعتقال الزعيم البنمي "مانويل نورييجا"، بالرغم من أنه كان في فترة ما حليفا قويا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي أي إيه"، وكان الهدف الرئيسي غزو بنما.

وتكرر نفس الشيء في العديد من دول العالم، من خلال تدخلات عسكرية، تحت دعاوي واهية مثل الحماية أو نشر الديمقراطية أو محاربة الإرهاب، وتدمير الأسلحة النووية والكيماوية، فقد غزت الولايات المتحدة وتدخلت عسكرياً في اليابان، وألمانيا، وكوريا، وفيتنام، والعراق، وأفغانستان، وليبيا، وجرينادا، وتدخلت في الصومال، السودان، ويوغوسلافيا، وسوريا، والمكسيك، وتبين لاحقا باعتراف أمريكي كذب كل هذه الادعاءات.

وفي توصيف مهم لما جرى من القوات الأمريكية في فنزويلا واختطاف رئيس فنزويلا "نيكولاس مادورو" وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، ما جاء فى بيان للسفارة الروسية بالقاهرة، بقولها "ما جرى أظهر أن العالم قد يعود مجددا إلى عصر الاستعمار، وحين كانت الدول الأقوى تستولى على الموارد الطبيعية للدول الأضعف، كان هذا يُهدد بزعزعة استقرار نظام العلاقات الدولية برمتها".

وفي ألمانيا، اتهمت "فرانتسيسكا برانتنر" رئيسة حزب الخضر الألماني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بممارسة "الإمبريالية الصريحة" عقب الهجوم على فنزويلا، موضحة أنه قام بتهديد بلد عسكريا دون أي شرعية قانونية، والتصريح بأن الهدف هو الاستيلاء على موارده النفطية، وتهديد بلد عسكرياً دون أي شرعية تستند إلى القانون الدولي، والتصريح علنا بأن الهدف هو الاستيلاء على موارده النفطية، يمثل أوضح صور الإمبريالية.

ولاشك أن ابتعاد فنزويلا عن النفوذ الأمريكي، منذ عهد الرئيس الفنزويلي السابق هوجو تشافيز، ومن بعده نيكولاس مادورو، أثار الكثير من القلق داخل أمريكا، ومع التقارب الأكثر من روسيا والصين، زاد القلق الأمريكي، ومن هنا حاصرت واشنطن كاركاس وفرضت العقوبات عليها، وقادت حملات دولية ضدها، سعيا لإسقاط هذا النظام.

وبالتفكير الاستعماري الأمريكي جاء القرار والترتيبات التي حتما أنها جرت من شهور طويلة، بعملية الاختطاف التي جرت فجر يوم 3 يناير للرئيس الفنزويلي، من القصر الرئاسي، في عملية سيتم تصنيفها يوماً بأنها إرهاب دولة، وتصل إلى جريمة حرب، والهدف المؤكد هو الطمع في بترول فنزويلا، وهو نفس الأطماع الأمريكية في بترول العراق، بالاحتلال.

ولأن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فهناك أطماع أمريكية فيها، وهو ما عبر عنه دونالد ترامب بشكل مباشر، حيث ركز بشكل ملحوظ على نفط فنزويلا في مؤتمره الصحفي، وجاء حديثه عنه بشكل أهم من الحديث عما أسماه "الحرب على المخدرات"، التي كانت سبب واشنطن المعلن للتحرك العسكري ضد فنزويلا، بل غازل ترامب دولا أخرى باقتسام هذا النفط مثل الصين، في محاولة لاستمالة أطرف ممكن أن تقف ضد أطماع الرئيس الأمريكي.

ووصل الأمر بأن كشف ترامب عن نية بلاده السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي، معتبراً أن ثروات البلاد سُرقت من الولايات المتحدة، وكشف عن الوجه الأكثر طمعاً بالقول أن شركات النفط الأمريكية الكبرى ستدخل فنزويلا، لضخ مليارات الدولارات، ولإصلاح البنية التحتية المتهالكة، وتشغيل صناعة النفط وتحقيق أرباح "لصالح البلاد"، أي أمريكا.
------------------------------
بقلم: محمود الحضري


مقالات اخرى للكاتب

مؤشرات | ترامب وفنزويلا والعودة بالعالم 150 عاماً